شهد الاقتصاد العالمي، منذ انتهاء جائحة كوفيد-19 وتفاقم التوترات الجيوسياسية، وخاصة الحرب في أوكرانيا، موجة تضخمية غير مسبوقة منذ عقود. هذا الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، الذي وصفه البعض بأنه "الأزمة المستمرة" (Permacrisis)، لم يترك اقتصاداً بمنأى عن تأثيراته.
لقد وضع التضخم العالمي الحكومات والبنوك المركزية المحلية أمام تحدٍ مزدوج ومعقد: مكافحة ارتفاع الأسعار المستورد وفي الوقت نفسه تجنب دفع الاقتصاد المحلي إلى ركود حاد. وتبرز أسعار الفائدة كأداة رئيسية وحاسمة في هذه المعركة، مع ما تحمله من تأثيرات مباشرة ومعقدة على حياة الأفراد وربحية الشركات واستقرار الأسواق.
الجزء الأول: تشريح أسباب التضخم العالمي الحديث
لفهم سبل المواجهة المحلية، يجب أولاً تحديد الأسباب التي أدت إلى هذه الموجة التضخمية العاصفة، والتي يمكن تقسيمها إلى عوامل جانب الطلب وعوامل جانب العرض:
1. صدمات جانب الطلب (Demand-Pull Inflation)
التحفيز المالي والنقدي بعد الجائحة: في محاولة لإنعاش الاقتصادات من تداعيات الإغلاق، ضخت الحكومات والبنوك المركزية في الدول المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة، حزم تحفيز مالية ضخمة. هذا التوسع النقدي والمالي أدى إلى زيادة فائضة في السيولة النقدية والطلب الكلي (الإنفاق الاستهلاكي) بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد العالمي على إنتاج السلع والخدمات.
تراكم المدخرات: خلال فترات الإغلاق، تراكمت مدخرات لدى الأفراد، وعندما عادت الحياة إلى طبيعتها، أطلق هذا الطلب المكبوت (Pent-up Demand) طفرة في الإنفاق دفعت الأسعار للارتفاع.
2. صدمات جانب العرض (Cost-Push Inflation)
اضطراب سلاسل الإمداد: أدت الإغلاقات المتكررة وسياسات "صفر كوفيد" في بعض المراكز الصناعية الكبرى، إلى اختناقات غير مسبوقة في سلاسل الإمداد العالمية. هذا أدى إلى ارتفاع تكلفة الشحن، ونقص في المكونات (مثل الرقائق الإلكترونية)، ما رفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير.
صدمة أسعار الطاقة والغذاء: كان لغزو أوكرانيا تأثير مدمر على أسواق الطاقة والسلع الزراعية (خاصة القمح)، مما رفع أسعار النفط والغاز والمواد الغذائية عالمياً. وبما أن العديد من الاقتصادات تعتمد على الاستيراد، انتقل هذا التضخم "المستورد" مباشرة إلى الأسواق المحلية.
أسواق العمل: مع تعافي الاقتصادات، أدت نقص العمالة في قطاعات معينة إلى زيادة الضغط على الأجور، مما يشكل حلقة مفرغة لارتفاع التكاليف والأجور.
- السباق العالمي في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: من يسيطر على المستقبل؟
- تأثير الذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية (FinTech) على سوق العمل العالمي والمحلي
- غضب شعبي عارم في السعودية إثر تصريحات يزيد الراجحي ضد الضمان الاجتماعي
- صندوق النقد الدولي يتوقع مرونة أكبر للاقتصاد العالمي في 2026: هل انتهت مرحلة الركود؟
الجزء الثاني: سلاح أسعار الفائدة وتأثيره (السياسة النقدية)
تُعد أسعار الفائدة الأداة الأكثر فعالية في ترسانة البنوك المركزية لمكافحة التضخم. تكمن آلية عملها في التحكم في حجم المعروض النقدي والطلب الكلي في الاقتصاد:
1. آلية عمل رفع أسعار الفائدة
عندما يقرر البنك المركزي رفع سعر الفائدة الأساسي (سعر الإقراض بين البنوك)، ينتقل هذا الارتفاع عبر عدة قنوات إلى الاقتصاد بأكمله:
زيادة تكلفة الاقتراض: ترتفع تكلفة القروض الاستهلاكية وقروض الشركات (المرابحات والتمويل)، مما يقلل من جاذبية الاقتراض.
انخفاض الإنفاق والاستثمار: يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى تقليل إنفاق الأفراد على السلع المعمرة (مثل السيارات والمنازل)، ويحد من خطط الشركات للتوسع والاستثمار. هذا يقلل من الطلب الكلي، وهو الهدف المباشر للسياسة التشديدية.
جذب المدخرات: ارتفاع معدلات الفائدة يجعل الادخار أكثر جاذبية، مما يسحب السيولة النقدية من التداول ويقلل من الضغط التضخمي.
قيمة العملة: في الاقتصادات ذات سعر الصرف المرن، يساهم رفع الفائدة في تعزيز قيمة العملة المحلية، مما يجعل الواردات أرخص ويقلل من تأثير التضخم المستورد.
2. التحدي المحلي: تبعية سعر الفائدة (للدول المرتبطة بالدولار)
بالنسبة للكثير من الدول ذات الاقتصادات الناشئة التي تربط عملتها بالدولار الأمريكي (أو تعتمد عليه كعملة احتياطية)، فإن السياسة النقدية تكون مقيدة بقرارات البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed).
القرار الحتمي: عندما يرفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة لمكافحة التضخم في الولايات المتحدة، تضطر البنوك المركزية المحلية الملتزمة بالربط إلى رفع أسعارها بنفس الوتيرة للحفاظ على جاذبية عملتها المحلية وتجنب هروب رؤوس الأموال إلى الدولار.
الصدمة المعاكسة: قد تكون هذه الزيادة ضرورية للحفاظ على استقرار سعر الصرف، ولكنها قد لا تكون ملائمة للوضع الاقتصادي المحلي. فإذا كان الاقتصاد المحلي يعاني تباطؤاً في النمو، فإن رفع الفائدة لامتصاص تضخم مستورد قد يؤدي إلى تفاقم التباطؤ، وخلق ما يُعرف بـ الركود التضخمي (Stagflation)، وهو أصعب التحديات الاقتصادية.
الجزء الثالث: سبل المواجهة المحلية الشاملة
لا يمكن الاعتماد على أسعار الفائدة وحدها، خاصة وأن التضخم الحالي مركب بين الطلب والعرض. يتطلب الأمر استراتيجية شاملة متعددة الأوجه:
1. السياسة المالية التكميلية (Fiscal Policy)
يجب على الحكومة أن تعمل جنباً إلى جنب مع البنك المركزي عبر أدواتها المالية:
الإنفاق الحكومي الموجه: بدلاً من الإنفاق العام العشوائي الذي يزيد الطلب، يجب توجيه الإنفاق لدعم قطاعات الإنتاج المحلية والبنية التحتية التي تخفف اختناقات العرض.
الإعفاءات المستهدفة: يمكن تقديم إعفاءات ضريبية أو دعم لقطاعات محددة (كالغذاء والطاقة) للحد من ارتفاع أسعارها المباشر على المستهلك، ولكن بحذر لتجنب زيادة العجز المالي.
دعم الأسر ذات الدخل المحدود: استخدام التحويلات النقدية المباشرة والموجهة بدقة لتعويض الفئات الأكثر تضرراً من تآكل القوة الشرائية، دون ضخ سيولة كبيرة جداً تزيد التضخم.
2. معالجة مشكلة جانب العرض والهيكلية
هذه الإجراءات لا تتعلق بالسيولة النقدية، بل بكفاءة الاقتصاد وقدرته الإنتاجية:
أمن الإمدادات الغذائية والطاقة: الاستثمار في الإنتاج الزراعي المحلي، وعقد اتفاقيات استيراد طويلة الأجل ومتنوعة المصادر، والاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل التبعية لأسعار النفط العالمية المتقلبة.
تحسين كفاءة سلاسل الإمداد المحلية: تقليل البيروقراطية، وتسريع إجراءات الجمارك، وتحديث الموانئ وشبكات النقل لتقليل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، مما يخفف من تضخم التكلفة.
دعم الإنتاج المحلي: تقديم حوافز للشركات المحلية لزيادة طاقتها الإنتاجية، خاصة في السلع التي ترتفع أسعارها نتيجة نقص العرض العالمي. هذا يقلل من الحاجة للاستيراد ويخفف الضغط على العملة المحلية.
3. تعزيز الثقة ومكافحة التوقعات التضخمية
التضخم هو ظاهرة نفسية اقتصادية جزئياً؛ فإذا توقع الناس استمرار ارتفاع الأسعار، فإنهم يطالبون برفع الأجور ويقدمون على الشراء بكميات أكبر، مما يغذي التضخم ذاتياً.
الشفافية والتواصل: على البنوك المركزية والحكومات أن تتواصل بوضوح مع الجمهور حول خططها لمكافحة التضخم، ومستهدفات الأسعار، ومدة الإجراءات، لترسيخ الثقة في قدرتها على السيطرة على الأسعار.
إدارة توقعات الأجور: العمل على أن تكون زيادات الأجور مرتبطة بالإنتاجية وليس فقط بالتضخم، لتجنب الدخول في حلقة "دوامة الأجور والأسعار" التضخمية.
الجزء الرابع: الآثار الجانبية لرفع أسعار الفائدة والتحديات المستقبلية
رغم أن رفع الفائدة ضروري لكبح التضخم، إلا أنه ينطوي على مخاطر جمة:
.jpg)

